صرخة المثقف في زمن الرداءة

في زمنٍ باتت فيه الرداءة تُصفق لنفسها، وتُزاحم الإبداع على المنابر، يغدو صوت المثقف أكثر من ضروري، بل طوق نجاة. حين ننتقد ما يجري في البلد، فنحن لا نتعالى من برجٍ عاجي، ولا نغفل ما تحقق من منجزات، ولكننا نعبّر عن قلق عميق من أن تتحوّل الرداءة، بمرور الوقت، إلى معيار محايد، أو حتى إلى القاعدة التي تُقاس بها القيمة، وتُخنق بها بذور التميز. نخشى أن نصل إلى زمنٍ يُنظر فيه إلى القارئ وكأنه كائنٌ ماضوي، منعزل في ركنه الحزين، يُتهم بالانفصال عن الواقع، فقط لأنه يُصر على أن الثقافة لا تُختزل في “الترند” و”اللايك” و”المؤثرين”.

في خضم التحولات العنيفة التي يعيشها العالم، حيث تتقدم التكنولوجيا بسرعة الضوء، تتقلص مساحة التفكير العميق، وتُدفع الثقافة إلى الهوامش. في هذا المشهد، يظهر صوت المثقف الحقيقي كنداء ضمير، لا ليجلد الواقع، بل ليوقظ فيه ما بقي من حياة. صوته، وإن بدا للبعض مزعجًا أو ناقدًا أكثر مما ينبغي، هو في جوهره تعبيرٌ عن غيرة، عن خوفٍ على الهوية من الذوبان، وعلى الإبداع من التلاشي في زمنٍ صار فيه النسخ والتكرار والاستسهال عملة رائجة.

النقد البناء، حين يصدر عن وعي ومسؤولية، ليس جريمة ولا نكرانًا للجميل، بل هو أداة إصلاح وتوجيه. من السهل أن نغرق في الاحتفاء بكل ما يُنجز، ولكن الأصعب هو أن نمتلك شجاعة التوقف والتساؤل: هل هذا هو المسار الصحيح؟ هل ما نحتفي به يُضيف فعلًا إلى رصيدنا الحضاري، أم أنه مجرد ضجيج فارغ في سوقٍ يعج بالمؤثرات العابرة؟
ما يثير القلق أكثر هو اتساع دائرة التفاهة وتراجع الذائقة العامة. صار النجاح يُقاس بعدد المتابعين لا بعدد الأفكار، وصار المبدع مطالبًا بأن يختصر عمق تجربته في فيديو قصير أو منشور سخيف، كي لا يُتهم بالتعقيد أو التجهم. في المقابل، يتم تسويق السطحية على أنها “واقعية”، ويُقصى المثقف لأنه “مغرِّد خارج السرب”.

ولأننا لا نؤمن بأن الإبداع ينبغي أن يُدفن في متحف الماضي، فإننا نرى أن المطلوب اليوم ليس العودة إلى الوراء، بل بناء جسر بين الجذور والآفاق الجديدة. الإبداع ليس تمسكًا جامدًا بالتراث، ولا هو تبعية عمياء لما هو جديد. إنه القدرة على إنتاج المختلف، على مقاومة الابتذال، وعلى الدفاع عن فكرة، حتى حين لا تجد من يصفق لها.

لهذا، فإن مهمة المثقف اليوم هي أن يظل صامدًا وسط هذا الضجيج، أن لا يغادر الساحة، حتى حين يُتهم بالتحجر أو النخبوية. لأن غيابه يعني ترك المجال فارغًا للرداءة كي تتكلم وحدها. ومتى سكت المثقف، فإن كل شيء يُصبح قابلًا للمحو، حتى معنى الوطن نفسه.

ليس من الوطنية أن نصفّق لكل شيء. وليس من الحكمة أن نُجامل الواقع حتى حين يخذلنا. ما نحتاجه، الآن أكثر من أي وقت مضى، هو أن نُعيد الاعتبار للنقد النبيل، وللثقافة العميقة، وللإبداع الذي لا يهادن ولا يساوم.

ربما لا يزال هناك من يُنصت، من يقرأ، من يؤمن أن المعركة لم تُحسم بعد. وربما يكون هذا الأمل البسيط هو بداية الخلاص من الرداءة.
شهبي احمد

زر الذهاب إلى الأعلى