قراءة في تقرير المفتشية العامة للدولة 2024-2025

جاء تقرير المفتشية العامة للدولة في 48 صفحة موزعة حسب فهرسة التقرير إلى:
1~ المعطيات الرئيسية صفحة واحدة (ص 5)؛
2~ لمحة عن المفتشية العامة للدولة ست صفحات من الصفحة 6 إلى الصفحة 11،
3~ أنشطة الرقابة 28 صفحة من الصفحة 12 إلى الصفحة 44؛
4~ تنفيذ الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد صفحة واحدة (الصفحة 45)؛
5~ استنتاجات وخلاصات جوهرية 3 صفحات (46، 47 و48)
وقد جاء في الصفحة غير المرقمة من التقرير قبل الفهرسة ما مفاده أن هذا التقرير تم إعداده بناء على نص المادة 9 من المرسوم رقم 2025~001 المتضمن تعديل بعض ترتيبات المرسوم رقم 2022~018 المتضمن سير وتنظيم عمل المفتشية العامة للدولة وقد تم إعداد هذا التقرير مع التقيد الصارم بالأحكام والمبادئ والضمانات الحقوقية المقررة في الدستور والقوانين الإجرائية والموضوعية المعمول بها وعلى وجه الخصوص القانون رقم 2017~ 020 المتعلق بحماية البيانات ذات الطابع الشخصي.
وقبل التطرق لمضمون التقرير وما جاء فيه، سنتوقف قليلا عند بعض المعطيات الواردة في هذه الصفحة التي قد تثير جدلا عند القانونيين حول ما إذا كانت تعتبر جزء من التقرير أم لا.
من المعطيات التي تضمنتها هذه الصفحة:
أ~ الالتزام بنص المادة 9 من المرسوم المنشئ للمفتشية العامة للدولة؛ يمكن القول إن هذا المعطى لا يشكل مثارا للجدل باعتباره مجرد تطبيق لنص صريح صادر بعد إجراء بعض التعديلات على نظام سير المفتشية العامة للدولة سنة 2025؛
ب~ علنية نشر التقرير؛ هذا المعطى قد يثير بعض الإشكالات حول عبارة العلنية، هذه الأخيرة تعتبر عبارة غير محددة والتعاطي الذي تم تداوله أن المفتشية العامة للدول لم تنظم حدثا يكرس هذه العلنية ومجرد تقديم التقرير لرئيس الجمهورية قد لا يكرس العلنية المطلوبة بالمفهوم الإعلامي والقانوني، وإن كان توفر التقرير قد يعد من قبيل ذلك؛
ج~ التقيد الصارم بالأحكام والمبادئ والضمانات الحقوقية المقررة في الدستور والقوانين الإجرائية والموضوعية المعمول بها وعلى وجه الخصوص القانون رقم 2017~ 020 المتعلق بحماية البيانات ذات الطابع الشخصي، بالنظر إلى هذا المعطى يتعين تحديد مفهوم التقيد الصارم بالضمانات والحقوق المقررة في الدستور عبر بسط تلك الضمات والحقوق كما وردت فيه، ثم تناول هذه الضمانات والحقوق كما وردت في القوانين الإجرائية، ثم التطرق إليها كما وردت في القوانين الموضوعية.
فبالنسبة للضمانات والحقوق المقررة في الدستور نجد أن هذا الأخير كرس في الديباجة مجموع الحقوق التي يكفل للمواطن وعند سردها لا نجد أن تكريسها يتناقض مع العمل الرقابي الذي تقوم به المفتشية العامة للدول، كما كرست المادة 10 من الدستور مجموع الحريات التي يكفل للمواطن و لا نجد أنه هذه الأخيرة تتعارض مع عمل الرقابة إلا ما ورد بنص قانوني صريح كما جاء في الفقرة الأخيرة من المادة 10 من الدستور، وعليه يكون التأسيس على النصوص الدستورية الوارد في التقرير لا ينسجم مع العمل الرقابي الذي يراد منه كشف المستور واسترجاع المسلوب ومتابعة الفاعل عند الاقتضاء؛
وبالنسبة للقوانين الإجرائية، فإن المدنية منها تحدد في المادة 2 من مدونة الإجراءات المدنية المبادئ العامة للتقاضي ولا يمكن ان يكون تقرير المفتشية العامة للدولة معني بها باعتبارها تتعلق بالمنازعات الخاصة، أما الإجراءات الجنائية فقد حددت في مادتها التمهيدية مجموعة المبادئ الواجبة الإحرام مهما كانت وضعية المعنيين بها وكرست مبدأ افتراض البراءة إلى ان تتم إدانة المتهم من قبل محكمة منشاة بموجب القانون و ربما كان هذا المبدأ هو الدافع الرئيسي لمحاولة التأسيس القانوني لما ورد في تقرير المفتشية العامة للدولة، أو الخشية مما ترتب على تقرير محكمة الحسابات من آثار فورية ولاحقة.
أما بخصوص القوانين الموضوعية وخاصة القانون رقم 2017~020 فإن نص المادة 5 النقطة 2 من هذا القانون قد لا يسعف التقرير حول التنفيذ الصارم الوارد فيه، كما ان نص الفقرات 4 و5 من المادة 13 من هذا القانون تفرغ التقيد الصارم من محتواه عندما يتعلق الأمر بمكافحة الفساد، وفي نفس المنحى، نجد أن المادة 32 من هذا القانون تؤكد عليه، لذلك يمكن القول إن هاجس التقيد الصارم الوارد في التقرير ربما لا يستند على مسوغ قانوني يركن إليه و كان أجدر بالتقرير أن يستخدم عبارة المهني بدل الصارم انسجاما مع النصوص الناظمة للمفتشية العامة للدولة (المادة 15 من المرسوم).
ويمكن مرد هشاشة التأسيس القانوني الوارد في تقرير المفتشية العامة للدولة إلى كونها لا يوجد بها قانونيين وتتألف أساسا من ذوي الكفاءات الاقتصادية، كما هو الحال لمحكمة الحسابات.
وبالرجوع إلى محتوى التقرير نجد أنه اعتمد منهجية جديدة في تقديم المعلومات تتجلى أحيانا في شكل بيانات وجداول وأحيانا أخرى في شكل مجسمات إحصائية وهو نمط عملي مهني جديد، يذكر فيشكر للتقرير ويعد من بين الأساليب الجديدة في إعداد التقارير لتسهيل قراءتها على المتلقي.
تناولت الصفحة الأولى من المعطيات الرئيسية ثلاثة مجسمات كرس الأول منها للمهام، وتناول الثاني الأثر المالي للاختلالات في حين خصص الثالث للإجراءات المتخذة.
أورد تقرير المفتشية في المجسم المتعلق بالمهام أن 35 منها شرع فيها وقد تم استكمال 28 منها موزعة بين 11 مهمة سنة 2024 و17 مهمة تفتيش سنة 2025 مما يبين زيادة ملحوظة في عدد المهام المستكملة، كما بين التقرير القطاعات التي خضعت لهذه العمليات، وأن توزيع هذه الهام تمثل 28 مهمة تفتيش مجدولة (في إطار خطة العمل السنوية) و5 مهام بناء على طلب ومهمتان (2) في تعهد تلقائي، وهذا التقسيم تم التأكيد عليه في النقطة 3 من اللمحة عن المفتشية، حيث عددت هذه النقطة كيفية ممارسة المفتشية لمهامها وحددتها في البرنامج السنوي و التعهد بناء على طلب الوزير الأول أو أحد أعضاء الحكومة و التعهد التلقائي؛ فإذا كانت مزاولة العمل في إطار الخطة السنوية ليست مثار جدل باعتبارها أمر طبيعي يكرس نهج المعل الرقابي المنتظم، وإذا كان التعهد التلقائي أمر مستساغ منذ تبعية المفتشية العامة للدولة لرئاسة الجمهورية، فإن التعهد بناء على طلب الوزير الأول و احد أعضاء الحكومة للمؤسسات الواقعة تحت وصايته قد لا يكرس الحياد المطلوب في عمل المفتشية و يفتح البات على احتمال استغلال هذه الثغرة التشريعية لتصفية الخصوم بدل محاربة الفساد، لذلك أعتقد أنه من أجل الحفاظ على مهنية عمل المفتشية العامة للدولة ينبغي تعديل الفقرة 2 من المادة 8 من المرسوم المنظم للمفتشية و تقتصر على التعهد التلقائي وحذف التعهد بناء على طلب الوزير الأول أو أحد أعضاء الحكومة؛
وبما أن عمل المفتشية تم تأطيره إلى حد ما بموجب المرسوم المنشئ لها والنصوص المعدلة له، فإن علاقة المفتشية بالمؤسسات الأخرى، قد تطرح التساؤلات حول إمكانية تعهيد محكمة الحسابات من قبل المفتشية العامة للدولة كما هو وارد في التقرير.
صحيح أن المادة 14 من المرسوم توجب على المفتشية العامة للدولة أن تحيل إلى النيابة العامة كل الجرائم المنصوص عليها في قانون مكافحة الفساد التي يتم اكتشافها إبان ممارستها لمهامها الرقابية، كما تشعر الوزير أو الرئيس الإداري أو السلطة التي يتبع لها المعني، ولم يحدد النص آليه القيام بهذه الإحالة، وربما يعتبر ذلك من قبيل الثغرات القانونية الواجب سدها.
لقد صاحب نشر المفتشية العامة للدولة لتقريرها لسنتي 2024~2025 الكثير من اللغط الإعلامي والسياسي يدور حول فكرة التستر على الاشخاص المعنيين بعمليات التفتيش، حتى أن البعض اعتبر أن عدم ذكر هؤلاء أفرغ التقرير من هدفه، وفي هذا السياق يقتضي منا واقع الحال تبيان مسألة في غاية الأهمية وهي أن النصوص الناظمة للمفتشية العامة للدولة لا تنص صراحة ولا ضمنيا على وجوب ذكر أسماء المعنيين بالتفتيش واكتشاف الخروقات، ذلك أن مهمة المفتشية حسب النصوص، بالإضافة إلى إعداد التقرير السنوي، تشمل ثلاث عمليات رئيسية هي:
~ بحث ودراسة وتقييم وتدقيق (المادتان 7 و8)؛
~ الإحالة للنيابة العامة لكل من يتكشف لها عند قيامها بمهامها من جرائم منصوصة في قانون مكافحة الفساد (الفقرة الأولى من المادة 14)؛
~ في حالات الاختلاس أو التلاعبات المالية الجسيمة والواضحة أو تزوير المستندات يمكن للمفتشية العامة للدولة:
• منع المحاسب العمومي أو المسؤول عن الصندوق أو الحساب المصرفي من التصرف؛
• حجز السجلات المحاسبية والمستندات الثبوتية مقابل إيصال، ووضع الأختام أو اتخاذ أي تدابير تحفظية أخرى؛
• إخطار الهيئات القضائية -وفقاً للإجراءات القانونية- لغرض المتابعة القضائية، وإخطار السلطات الإدارية لغرض فرض عقوبات تأديبية (الفقرة 2 من المادة 14).
ويتبين من ذلك أن عدم ذكر أسماء المعنيين بالتقرير يجد أساسه في النص الناظم للمفتشية العامة للدولة وليس القانون المتعلق بحماية البيانات الشخصية، ومبدأ افتراض البراءة إلى أن تتم الإدانة.
يعتبر التقرير في مجمله بداية مهمة في مجال محاربة الفساد ووسيلة إطلاع للمواطن والمهتم بالشأن العام لا يستهان بها ستؤدي في المستقل إلى الحد من عمليات الفساد المنتشرة، غير أن متابعة تنفيذ التوصيات التي تصدر عن تقارير المفتشية يجب أن تأخذ في الحسبان عن طريق وضع آلية متابعة، يجب أن تتضمن عند الاقتضاء، محاسبة المعنيين بتنفيذ تلك التوصايت.

ذ. الشيخ عبد الله ولد احمد باب

زر الذهاب إلى الأعلى