القدس تفقد الحكيم عقله ويزداد المجنون جنونا…

جمعة, 12/15/2017 - 10:35

لم تكن الإدارة الأمريكيّة بغافلة عن ردود فعل غاضبة هنا وهناك على قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المضي في نقل مقر سفارة الولايات المتحدة الأمريكيّة إلى مدينة القدس كرمز لاعتراف الدّولة العظمى بمدينة السلام عاصمة (أبديّة) لدولة الأساطير الإسرائيلية. فهذي الدّول لا تعمل بمنطق ردود الأفعال، وتقوم إجراءاتها على أساس دراسة وتخطيط استراتيجي طويل المدى، ليس على سبيل السياسة فحسب، وإنما أيضاً في بناء المناخات والتوجهات الشعبيّة المواتية قبل اتخاذ الخطوات التنفيذيّة.

لا شيء يحدث بالصدفة..لا سيما بشأن القدس

القدس تحديداً، تقع في قلب تراكم الأساطير الصهيونيّة الحالمة بمملكة عبريّة عظمى عبر شرق المتوسط عاصمتها «أورشاليم». كان الصهاينة الأوائل مدركين تماماً لمركزيّة المدينة المقدسة في سرديتهم التي ستفقد معناها فيما إذا استثنيت القدس منها بأي شكل، لا سيما وأن أجيالاً متعاقبة منهم عاشت على فكرة «في القدس العام المقبل» – وهي تحية الوداع التقليدية للشعب اليهودي- ولذا فهم بنو خططهم على أساس السيطرة عليها منذ وقت مبكر.
استفاد الصهاينة أيّام الانتداب البريطاني من مظلّة الحماية الإنكليزيّة المتعاطفة مع تصوراتهم لتأسيس موضع قدم لهم في المدينة عبر التشريعات والتآمر مع بعض رجال الدّين والملاك الإقطاعيين لشراء الأراضي – لا سيّما في الجهة الغربيّة منها -. لكن الأهم أن الصهاينة عملوا وبشكل مكثّف على بناء مناخ متشوق لاستعادة القدس إلى العبران في المخيال الغربي الذي تهيمن عليه الثقافة اليهو – مسيحيّة رغم كل ادعاءات العلمانيّة والتحضر والدولة المدنية. 
وفي حربهم عام 1948 لتأسيس دولتهم رسميّاً – يسمونها حرب الاستقلال على أساس أن فلسطين كانت محتلة من قبل سكانها المحليين – سيطر الإسرائيليون على الجزء الغربي من المدينة، وتوافقوا برعاية بريطانيّة على إبقاء الجزء الشرقي منها في أيدي الجيش العربي – قوات أردنيّة بقيادة إنكليزيّة – نظراً للرمزيّة الحادة لجوار الحرم الشريف، والتي اعتقد البريطانيون وقتها أنه من المفضل تجنب دخول الإسرائيليين إليها مرحلياً بدلا من تعريض نفوذهم عبر العالم الإسلامي لنقمة شعبيّة عارمة. 
بقيت القدس تحت الرعاية الأردنية لما يقرب العقدين حتى نضجت الظروف الموضوعيّة لاستكمال ضم المدينة خلال حرب 1967، فاندفعت نحوها القوات الإسرائيليّة وتمكنت من احتلالها وإن بعد مقاومة شرسة أبدتها وحدة أردنيّة وجدت نفسها محاصرة في هجوم إسرائيلي لم يكن مخططاً له على موقعهم، وبطولات فرديّة لم تمنع تحقق الأمر المحتّم. 
سقطت القدس في يد الإسرائيليين وأعلنوها عاصمة لهم، لكن غالبية دول العالم توافقت على اعتبار الجزء الشرقي من المدينة أراض محتلة، واستمرت بالعمل من خلال مقرات سفاراتها في تل أبيب، رغم أن الحكومة الإسرائيلية نفسها تنعقد في القدس المحتلة. 
…ويزداد المجنون جنونا، بالفعل إنه ترامب.
ما لبث الأمريكيون المتشربون بأساطير اليمين المسيحي – اليهودي بشأن القدس الضغط على الكونغرس لإصدار قرار بالاعتراف بالعاصمة الجديدة لدولة إسرائيل، ونقل سفارة بلادهم إليها. لكن رؤساء أمريكيين متعاقبين وعبر عقدين من الزمان – بما فيهم جورج بوش نفسه – تريثوا في توقيع الأمر التنفيذي اللازم، ومرّة أخرى لتجنب إثارة نقمات شعبيّة فيما القوات العربيّة تقاتل مع الأمريكيين يداً بيد ضد العراق وفي أماكن أخرى، إلى أن جاء دونالد ترامب الذي استمال التيار اليهو- يميني لدعمه في الانتخابات الرئاسيّة الأخيرة من خلال الوعد بتوقيع ذلك الأمر التنفيذي. وهكذا كان. 
في هذه الأجواء، كان الإسرائيليون لا يكلّون ولا يملّون بتهيئة الرأي العام الغربي عموماً والولايات المتحدة تحديداً لتقبّل فكرة أسرلة القدس كعاصمة أبديّة للدولة العبريّة، وهم بذلوا جهوداً كثيفة بالتحالف مع اليمين المسيحي على جبهات متعددة. في الصحافة والإعلام، وفي المدارس والكنائس، وفي كل فضاء يشكّل عقول الكتل الشعبيّة. وبشكل متزايد اكتشف الإسرائيليون أهميّة الوثائقيّات تحديداً في ضمان تكريس سرديتهم عن المدينة – الرّمز، لا سيّما خلال السنوات الأخيرة.

الإسرائيليون احتلوا القدس في الوثائقيّات أيضاً

مراجعة خاطفة لحجم الأفلام الوثائقيّة المتوفرة عن القدس تشير إلى جهد إسرائيلي دؤوب في هذا المجال. فهناك ما يزيد عن عدة عشرات منها تقدّم جميعها جوانب متعددة للسرديّة العبريّة، بينما لا شيء تقريباً على الجانب العربي، ربما باستثناء حلقات من تغطية تقنيّة عن آثار القدس قدّمها المهندس رائف نجم على التلفزيون الأردني ولم يشاهدها أحد في العالم العربي وقلائل في الأردن ذاته، ووثائقي على قناة الجزيرة عن سقوط المدينة عام 1948. 
آخر المنتجات الإسرائيليّة فيلم «في أيدينا» – أي جبل الهيكل – (In Our Hands)، وهو دراما-وثائقيّة هائلة (121 دقيقة) من كتابة وإخراج إيرين زيمارمان جاءت ثمرة تعاون أمريكي – إسرائيلي، وقدم عرضه الأول في 23 مايو/أيار الماضي – ذكرى (استقلال) إسرائيل – على شاشات أكثر من 700 سينما عبر الولايات المتحدة وشاهده خلال يوم واحد ما لا يقل عن نصف مليون أمريكي، وهو أطلق لاحقاً في يوليو الماضي على DVD، وبدأت الترتيبات لعروض تجاريّة وتلفزيونيّة له عبر العالم تنطلق في وقت قريب.
« … في أيدينا»: إنها إرادة الرّب – على ذمّة زيمارمان! 
يقّدم الفيلم رواية بأجواء توراتيّة مكثّفة لمعركة القدس عام 1967 واللحظات الأولى لدخول القوات الإسرائيليّة للمدينة القديمة والحرم الشريف. وهو يستدعي لذلك شهادات من جنود الفرقة 55 – التي كانت طليعة القوات – ويضعها ضمن قالب دراميّ شديد التأثير، بتصوير تقني عالي المستوى على الأرض في القدس نفسها، ويجعل الجنود الإسرائيليين أشبه بملائكة أرسلهم الربّ نفسه لتحرير المدينة من ما سماه (الاحتلال) الأردني، ويقدّم الشعب الإسرائيلي كقبيلة موسويّة خرجت من التوراة لتوها، فتكاد تلتهب شوقاً لجبل الهيكل. الجنود الإسرائيليون في الفيلم على شجاعتهم الفائقة يحترمون أعداءهم المقاتلين ويقيمون نصباً لمن سقطوا منهم تكريماً لشجاعتهم، وهم يقاتلون وحيدين إلا من شجاعتهم بمواجهة جيوش عربيّة جبّارة تريد مسح دولتهم ومع ذلك فهم يساعدون امرأة عربيّة على الولادة، ويأمر موشي ديّان بإنزال العلم الإسرائيلي عن قبة الصخرة احتراماً لمشاعر المسلمين، وهم يصلّون بكل لحظة ويحلّقون في أجواء سماويّة بينما يحققون الإرادة (الإلهيّة) المزعومة. 
الفيلم كمنتج فنّي جيد بالفعل (عدة ممثلين من أصول عربيّة اشتركوا فيه) رغم جوانب ضعف في تمثيل بعض المقاطع، لكنّه قطعاً محمّل بكتل مؤدلجة ثقيلة، حوّلته إلى مجرد دعاية عقائديّة محضة هي بالتأكيد مؤسِسة لصورة تلك اللحظة الحاسمة تاريخيّاً في المخيال الغربي ،لا سيّما وأن الوثائق المصورة المتوفرة عن تلك المعركة محدودة في عددها وجودتها.

حيث التاريخ يكتبه المنتصرون

لكن دون شك لم يعبأ منتجو الفيلم بالحقائق التاريخيّة وخلطوا روايات الجنود الإسرائيليين بأوهام توراتيّة الجذور، وقدّموا سرديّة شديدة الانحراف عن الوقائع الفعلية لدرجة أن أشد منتقدي الفيلم كانوا من الإسرائيليين أنفسهم، وبعضهم ممن شارك في معارك حرب 1967. فمخضرمو تلك الحرب قالوا للصحف إن الفيلم لا يستحق وصفه بالوثائقي لأن كل روايته غير دقيقة ومتخيّلة وأحاديّة الجانب، فجنود جيش الدّفاع الإسرائيلي في تلك الحرب ارتكبوا فظائع لا تختلف كثيراً عن تلك التي ارتكبها الجنود الإسرائيليون في حرب لبنان 1982. كما ومن المعروف أن الكتيبة 55 تجاهلت الخطة الإسرائيليّة العامة المحكمة للسيطرة على المدينة من ثلاث محاور مع السماح للأردنيين بسحب قواتهم دون قتال يذكر لمصلحة معركة طاحنة لم يكن ثمة حاجة فعليّة لها مع نقطة (تل الذخيرة) الأردنيّة تسببت في مقتل 39 إسرائيليّاً و71 أردنيّاً، لأن قائد الكتيبة موتا غور أراد الفوز بشرف أن يكون أول من يدخل المدينة المقدسة (وهي اللحظة الوحيدة في الفيلم المؤكدة تاريخيّاً) عندما أعلن من جهاز اللاسلكي أن «جبل الهيكل في أيدينا» صبيحة اليوم الثاني للحرب. كما أن غياب المقاومة الفعليّة من المدينة لم يخف تخبطات عدة في إدارة المعركة من الجانب الإسرائيلي استخباراتياً ولوجستياً، وهو ما تسبب بدخول قوات صغيرة في مرمى الجنود الأردنيين، بينما قتل عدد من الجنود كذلك بنيران صديقة بسبب سوء التنسيق. 
لكن المؤسف أن الجمهور العريض لن يسمع بتلك الاعتراضات، وسوف يتشرّب رواية الإسرائيليين المصوّرة كما لو أنها الحقيقة، وهو ما انعكس على المشاعر الجياشة لمن شاهدوا العرض الافتتاحي الأول، إذ ينقل مراقبون حضروا الفيلم ان عشرات المؤمنين انخرطوا بالبكاء بينما كانوا يتابعون أحداثه وخرجوا بأجواء حماسيّة من الانتشاء العاطفي، وتكرس قبولهم ليس لنقل السفارات فقط، بل وربما الانخراط في أي معركة للدفاع عن إرادة الرّب في إعادة القدس عاصمة أبديّة لبني إسرائيل. 
ما بالمظاهرات والبيانات والخطب فحسب تكسب الحروب الوجودية الكبرى. وأقل الإيمان سرديّة نقيضة للخزعبلات الصهيونية، ليس لتعبئة الرأي العام الغربي – فتلك معركة خسرناها سلفاً – ولكن أقلّه لتمتين حق الفلسطينيين – بفلسطين جميعها لا القدس الشريف فقط – في أذهان الجمهور العربي والإسلامي.

إعلامية من لبنان تقيم في لندن

القسم: